في صالح من يصب قرار هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات وقف خدمة التجوال الدولي "المجاني"؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • من دون «واو العطف»
    الإثنين, 08 فبراير 2010
    بصيرة الداود *

    تواجهنا - عزيزي القارئ - معادلة تاريخية صعبة في مرحلتنا الراهنة تجعلنا غير قادرين على إيجاد الحلول لها، وهي تتمثل في مدى قدرة المفكرين والمثقفين في عصرنا هذا على الغوص في أعماق المرحلة المعاصرة التي نحياها، وماهية القدرة الفعلية على السيطرة والتفاعل معها إيجابياً في شكل يُسهّل عملية التفاعل والتوجيه الاجتماعي نحو التقدم إلى المستقبل لتحقيق الأهداف من دون محاولة الهروب من مواجهة الحاضر بأوهام الماضي، أو البحث عن فردوس المستقبل، لأن ذلك هو ما يزيد - من وجهة نظري - نيران الاختلاف الحاد بين التيارين الأبرز على الساحة الفكرية الثقافية العربية وأعني التيار المحافظ - التقليدي، والليبرالي - المتنور الإسلاميَين، إذ نرى انشغال الطرفين ببعضهما البعض، فالأول لا همّ له سوى تكفير الطرف الثاني وكأنه مفوّض من عند الله ليلقي من يشاء، بحسب أهوائه ورغباته وعقليته البشرية المحدودة، في الجنة أو النار. والثاني أيضاً لا همّ له سوى تخوين الطرف الأول حتى تصل حدة الاختلاف بينهما أيديولوجياً إلى مرحلة خطرة من الصراع، خصوصاً عندما ينكشف أمام الإنسان العربي البسيط عدم قدرة مفكري ومثقفي هذا العصر على فهم معنى «حق» حرية الرأي والتعبير والاختلاف الإنساني، فينعكس ذلك على المجتمع الواحد إلى أن يصل الى المرحلة الأكثر خطورة بالنسبة إلى شق الصف الوطني داخل كل دولة، فينسيها بذلك أعداءها الحقيقيين المتربصين بها، كما تضيع مع هذا الصراع كل فرص التقدم بالإنسان العربي، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة حصوله على حقوقه كإنسان داخل مجتمعه والتي أصبحت مع ما يواجهه من تحديات ومع انشغال المثقفين عن معالجة وإيجاد الحلول لأبسط حقوقه بالصراعات الأيديولوجية، أقول أصبحت حقوق المواطن العربي مدرجة في قوانين حكومية لبعض الهيئات أو اللجان الرسمية التي تحمل شعار «حقوق الإنسان»، ولكن دورها الحقيقي أقرب ما يكون إلى دور هيئات الرقابة والتفتيش، ربما بسبب عدم وعي من يعمل ضمنها بمعنى ومغزى حقوق الإنسان، هذا إضافة إلى أن معظمها تابع في الأساس للسلطات السياسية في كل دولة وتتحرك وفقاً لما يُطلب منها، حتى وإن اكتسب بعضها نوعاً من الشفافية والجرأة في طرح القضايا، كما أن صوتها لا يعلو إعلامياً إلا عندما يتوافق ذلك مع موعد الذكرى السنوية لإعلان حقوق الإنسان العالمي، إذ تُطالب كل دولة عربية بتقديم تقاريرها السنوية عن وضع حقوق الإنسان العربي فيها!

    يُعد ملف حقوق الإنسان العربي مادة خصبة لزيادة الصراع الأيديولوجي فقط من دون إيجاد أي حلول عملية بين التيارين المسلمين (المحافظ والتنويري) «بواو العطف»، بسبب أن هذا الملف تحديداً يقبل كل الاجتهادات ومن خلاله يتسابق الجميع للإعلان عن ذاته والدفاع عن حقها الإنساني، فيبرز الاختلاف الحاد بين هذين التيارين تحديداً في المنهج الذي من خلاله تمكن المقاربة بين حق الإنسان العربي كمسلم، وبين حقه ضمن قوانين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في شكله العام والشامل للإنسانية كافة، بصرف النظر عن التصور الغربي الأساسي المنطلق من وإلى الفرد، من دون الاعتبار لخصوصية أية جماعة بشرية، فهو تعبير واضح عن موقف حضاري عام في كل مظاهر الحياة الثقافية، كونه ينكر الأنا لحساب عالمية الآخر، لذلك فهو يعزل المرء عن ثقافته وهويته عندما لا يعطي الأنا حقها الذي تستحقه وهو ما قد يشكل خطأ تاريخياً عند القبول بقوانينه كما فرضت عالمياً.

    وعلى النقيض من ذلك تماماً يقف الطرف الآخر وأعني به التيار المحافظ - التقليدي أو السلفي كما يفضل البعض تسميته، فهو يتناول هذا الملف في شكل مبالغ فيه وعلى العكس من نقيضه الأيديولوجي التنويري، إذ ينطلق من فلسفته الخاصة التي تطالب بالتقوقع مع وعلى الأنا فقط، رافضة أي اعتراف أو تفاعل مع الآخر، لذلك فهي أيضاً فلسفة تقوم وتنطلق من الفردية الخالصة والحرية الشخصية التي تصل إلى حد الأنانية الذاتية والفوضى وإنكار أية قيم أو مبادئ خاصة بكل مجتمع، ومن هذه الفلسفة تحديداً يتولد - بحسب تصوري - العنف ضد الذات والآخر بكل أشكاله وصوره.

    يمر مجتمعنا العربي في شكل عام بمرحلة تاريخية تجعل من مسألة الصراع حول ملف حقوق الإنسان معركة رئيسة وشرسة بين المفكرين والمثقفين، خصوصاً على مستوى التيارين الأبرز على المشهد الفكري والثقافي العربي المحافظ والتنويري «بواو العطف» كما يطلق عليهما، ولكن من أجل أن يُدرك مثقفو كل تيار منهما أن التحول بغية التفاعل الحقيقي في ما بينهما هو امتداد تاريخي للفكر والأيديولوجيا الإسلامية وتطورها عبر العصور منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، إذ كانت امتداداً من الله «إلى» الإنسان، ثم من الذات الإنسانية إلى الجسد، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الدين إلى العلم بكل معارفه وإبداعاته، فلا بد لنا أن نتدارك الخطأ في سوء الفهم الذي أحدثه الخلط اللغوي الفكري عندما جمع بين التيارات والأيديولوجيات المتناقضة تماماً في تصوراتها للأمور والظواهر والتحديات المعاصرة وربط بينهما «بواو العطف»، ليزيد من سوء الفهم عند الحديث عن التيارين المحافظ التقليدي والليبرالي التنويري أو عند الحديث عن التراث والتجديد أو الدين والعلم أو النقل والعقل، وكذلك عند تناول موضوعي الأصالة والحداثة وغيرهما من المواضيع التي تعطف بحرف واحد حاضرنا كله على ماضينا، بينما يمثل حاضرنا وبحرف جر واحد امتداداً لماضينا، بحيث يفتح المجال واسعاً لإدراك وفهم متطلبات كل مرحلة تاريخية وما تحتاجه في سبيل التطور الإنساني والحضاري بكل معانيه ومفاهيمه.

    ولهذا فلا بد للتحول التاريخي أن يأخذ مساره الصحيح في عصرنا هذا من التوجه نحو إصلاح أحوال الإنسان العربي أولاً، ثم الإصلاح في ميادين الحياة كافة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإدارية والقضائية وغيرها، بما يشمل أيضاً إصلاحاً ضرورياً للخطاب الديني التقليدي الذي أصبحت الحاجة ملحة الآن لكي يكون خطاباً دينياً تنويرياً وليس خطاباً دينياً منغلقاً على ذاته.

    إن القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية في شكل عام تتجاوز كل الشعوب والعادات والأعراف، كونها تعبّر عن الفطرة والعقل والقانون الطبيعي (الإلهي) الذي يحفظ للحياة قيمها وللأمم ثرواتها وللناس حرياتهم وأعراضهم. ولذلك فإن مسألة الإصلاح تُعد أمراً ضرورياً وطبيعياً في مرحلتنا الراهنة، لأنها ستكون الامتداد الحقيقي إلى مرحلة التحديث التي سيشهدها التاريخ العربي في مستقبله المنظور وعلى المدى الطويل إذا ما تمت عمليات الإصلاح وسارت بطريقة صحيحة وفي إطار الإخلاص والجد في العمل، خصوصاً عند نقل النماذج الأخرى الناجحة وإحداث الإبداع الفكري فيها بما يكفل لنا ولمستقبل أجيالنا شرقاً عربياً يرى القادم إليه مسلمين وإسلاماً «بواو العطف».

    * أكاديمية سعودية.

    Drbasirah-1966@hotmail.com

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

كل حياتنا بالعكس

يا دكتورة عشان أقولك بصراحة كل حياتنا بقت مقلوبة وماشية بالعكس ،مش هو ده إللي عاوزينه يبقى لنا ..والله ده مقالك أكثر من رائع .نصيحتي لكي أوعي تسيبي حبر قلمك يجف ..تحيات المصريين كلهم لكي

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية
  • شروط نشر التعليق: عدم الإساءة أو التجريح والشتم والابتعاد عن الألفاظ النابية وكل أنواع التحريض